المنسوب إلى الإمام العسكري ( ع )

428

تفسير الإمام العسكري ( ع )

وَلَكِنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ يَنْظُرُونَ هَلْ يَقَعُ عَلَيْهِمُ الْجَبَلُ أَمْ لَا ، ثُمَّ عَفَّرُوا خُدُودَهُمُ الْيُسْرَى يَنْظُرُونَ كَذَلِكَ ، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ كَمَا أُمِرُوا . فَقَالَ جَبْرَئِيلُ لِمُوسَى ع : أَمَا إِنَّ أَكْثَرَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى عَاصُونَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أُزِيلَ عَنْهُمْ هَذَا الْجَبَلَ - عِنْدَ ظَاهِرِ اعْتِرَافِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يُطَالِبُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِظَوَاهِرِهِمْ لِحِقْنِ دِمَائِهِمْ ، وَإِبْقَاءِ الذِّمَّةِ لَهُمْ ، وَإِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ يُعَذِّبُهُمْ - عَلَى عُقُودِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ . فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى الْجَبَلِ وَقَدْ صَارَ قِطْعَتَيْنِ : قِطْعَةٌ مِنْهُ صَارَتْ لُؤْلُؤَةً بَيْضَاءَ - فَجَعَلَتْ تَصْعَدُ وَتَرْقَى حَتَّى خَرَقَتِ « 1 » السَّمَاوَاتِ ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا إِلَى أَنْ صَارَتْ إِلَى حَيْثُ لَا تَلْحَقُهَا أَبْصَارُهُمْ ، وَقِطْعَةٌ صَارَتْ نَاراً وَوَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ بِحَضْرَتِهِمْ ، فَخَرَقَتْهَا « 2 » وَدَخَلَتْهَا وَغَابَتْ عَنْ عُيُونِهِمْ . فَقَالُوا : مَا هَذَانِ الْمُفْتَرِقَان مِنَ الْجَبَلِ فِرْقٌ « 3 » صَعِدَ لُؤْلُؤاً وَفِرْقٌ انْحَطَّ نَاراً قَالَ لَهُمْ مُوسَى : أَمَّا الْقِطْعَةُ الَّتِي صَعِدَتْ فِي الْهَوَاءِ - فَإِنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَخَرَقَتْهَا إِلَى أَنْ لَحِقَتْ بِالْجَنَّةِ . فَأُضْعِفَتْ أَضْعَافاً كَثِيرَةً لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ ، وَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُبْنَى مِنْهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ قُصُورٌ - وَدُورٌ وَمَنَازِلُ وَمَسَاكِنُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَنْوَاعِ النِّعَمِ - الَّتِي وَعَدَ بِهَا الْمُتَّقِينَ مِنْ عِبَادِهِ ، مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْبَسَاتِينِ وَالثِّمَارِ ، وَالْحُورِ الْحِسَانِ ، وَالْمُخَلَّدِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ كَاللَّآلِي الْمَنُثُورَةِ - وَسَائِرِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَخَيْرَاتِهَا . وَأَمَّا الْقِطْعَةُ الَّتِي انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ فَخَرَقَتْهَا - ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا إِلَى أَنْ لَحِقَتْ بِجَهَنَّمَ فَأُضْعِفَتْ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ، وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُبْنَى مِنْهَا لِلْكَافِرِينَ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ ، قُصُورٌ وَدُورٌ وَمَسَاكِنُ - وَمَنَازِلُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَنْوَاعِ الْعَذَابِ - الَّتِي وَعَدَهَا لِلْكَافِرِينَ مِنْ عِبَادِهِ

--> ( 1 ) . يقال خرق المفازة : قطعها حتّى بلغ أقصاها . ( 2 ) . أي شقّتها . ( 3 ) . أي بعض . والفرق الفلق من الشّيء إذا انفلق منه ، ومنه قوله تعالى « فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ » الشّعراء : 63 . ( لسان العرب : 10 - 300 ) .